مكان من بلدي

125

بقلم الكاتبة هالة عيسى
المكان الذي أود الحديث عنه هو من العقد الماضى ويعد أثرا من أثار مصر الحديثة ولايقل أهمية عن الأثار الموجودة في مصر لأنه يعد تحفة معمارية فريدة للعمارة في العصر الحديث إنه قصر البارون بمصر الجديدة،لقد قمت بزيارة ميدانية له وإلتقط بعض الصور التذكارية بداخل وخارج القصر
والأن أود أن أعطيكم نبذة عن هذا الأثر المتميز بطراز معماري رائع.

قصر البارون
قصر البارون إمبان أحد قصور مصر الأثرية ذات الطراز المعماري الخاص. شيده المليونير البلجيكي البارون ادوارد إمبان الذي حضر إلى مصر قادما من الهند في نهاية القرن التاسع عشر بعد وقت قليل من إفتتاح قناة السويس، فشرع في إقامة مشروع سكني جديد في صحراء القاهرة تحت اسم “هيليوبوليس”، وقرر إنشاء قصره الخاص بها فاختار تصميماً على طراز العمارة الهندوسية الأوروبية للمعماري الفرنسي ألكساندر مارسيل كان معروضا خلال معرض هندسي في باريس، بدأ بناء القصر في عام 1906 وافتتح في عام 1911. منذ الخمسينات ومع تناقل ملكية القصر بدأ القصر يتعرض للإهمال حتى قامت الحكومة المصرية بشراؤه في عام 2005 لقيمته الأثرية والمعمارية، وبدأت وزارة الآثار المصرية أعمال ترميمه في عام 2017 والتي إنتهت بافتتاحه في عام 2020. يقع القصر حالياً في قلب منطقة مصر الجديدة بالقاهرة
حكاية القصر:-
في نهاية القرن التاسع عشر، بالتحديد بعد عدة سنوات من إفتتاح قناة السويس، رست على شاطئ القناة سفينة كبيرة قادمة من الهند، وكان على متن هذه السفينة مليونير بلجيكي يدعى “إدوارد إمبان ولقب إمبان يعني المهندس العبقري التي منحته فرنسا له نظرا لعبقريته الهندسية

وكما كان “إدوارد إمبان” مهندسا نابها، كان أيضا صاحب عقلية إقتصاديةفاذة، حيث عاد إلى بلاده وأقام عدة مشروعات جلبت له الكثير من الأموال، وكان على رأس تلك المشروعات بنك بروكسل في بلجيكا.

لم تكن هواية “إدوارد إمبان” الوحيدة هي جمع المال، فقد كان يعشق السفر والترحال بإستمرار، ولذلك إنطلق بأمواله التي لا تحصى إلى معظم بلدان العالم، طار إلى المكسيك ومنها إلى البرازيل، ومن أميركا الجنوبية إلى إفريقيا حيث أقام الكثير من المشروعات في الكونغو وحقق ثروة طائلة، ومن قلب القارة السمراء اتجه شرقا إلى بلاد السحر والجمال…. الهند

وسقط المليونير البلجيكي في غرام الشرق.

عاش “إدوارد إمبان” سنوات طويلة في الهند وعشق الأساطير القديمة حتى كان قراره بالبحث عن مكان تاريخي أقدم ولم يجد أمامه سوى مهد الحضارات القديمة.. مصر.

وصل البارون “إمبان” إلى القاهرة، ولم تمضِ أيام حتى إنطلق سهم الغرام في قلب المليونير البلجيكي.. وعشق الرجل مصر لدرجة الجنون وإتخذ قرارا مصيريا بالبقاء في مصر حتى وفاته.. وكتب في وصيته أن يدفن في تراب مصر حتى ولو وافته المنية خارجها

وكان طبيعيا على من إتخذ مثل هذا القرار أن يبحث له عن مقر إقامة دائم في المكان الذي سقط صريع هواه.. وكان أغرب ما في الأمر هو إختيار البارون “إمبان” لمكان في الصحراء.. بالقرب من القاهرة.

وقع إختيار البارون لهذا المكان باعتباره متواصلا بالقاهرة وقريبا من السويس.. ولتمتع المكان بصفاء الجو ونقاء الهواء.. وبالتأكيد لم يكن أحد في هذا الزمن يرى ما يراه الإقتصادي البلجيكي ولا يعرف ما يدور داخل رأسه عن المستقبل.

القصر:
بمجرد إختيار المليونير البلجيكي للمكان الذي سيعيش فيه -وهو الطريق الصحراوي شرق القاهرة- عكف البارون “إمبان” على دراسة الطراز المعماري الذي سيشيد به بيته في القاهرة.. ولأن البارون كان مهتما أيضا بفن العمارة فقد إتخذ قرارا بأن يقيم قصرا لا مثيل له في الدنيا كلها
ولكن بقي إختيار الطراز المعماري مشكلة تؤرق البارون حتى عثر على ضالته المنشودة داخل أحد المعارض الفنية في العاصمة الفرنسية، ففي هذا المعرض وقعت عيناه على تصميم لقصر غاية في الروعة أبدعه فنان فرنسي اسمه “ألكسندر مارسيل”.. كان التصميم شديد الجاذبية وكان خليطا رائعا بين فن العمارة الأوروبي وفن العمارة الهندي.
تذكر البارون أنه في أثناء إقامته بالهند عندما ألم به مرض شديد كاد يودي بحياته إهتم به الهنود وإعتنوا بصحته وأنقذوه من الموت المحقق. وتذكر البارون “إمبان” القرار الذي إتخذه أيامها بعد شفائه بأن يبني أول قصوره الجديدة على الطراز الهندي عرفانا منه بالجميل لأهل هذا البلد
لم يتردد البارون “إدوارد إمبان” للحظة.. إشترى التصميم من “مارسيل” وعاد به إلى القاهرة، وسلم التصميم لعدد من المهندسين الإيطاليين والبلجيكيين ليشرعوا في بناء القصر على الربوة العالية التي حددها لهم البارون في صحراء القاهرة.
بعد خمس سنوات.. خرجت التحفة المعمارية من باطن الصحراء.

قصر فخم جملت شرفاته بتماثيل مرمرية على شكل أفيال وبه برج يدور على قاعدة متحركة دورة كاملة كل ساعة ليتيح للجالس به مشاهدة ما حوله في جميع الاتجاهات
والقصر مكون من طابقين وملحق صغير بالقرب منه تعلوه قبة كبيرة، وعلى جدران القصر توجد تماثيل مرمرية رائعة لراقصات من الهند وأفيال لرفع النوافذ المرصعة بقطع صغيرة من الزجاج البلجيكي وفرسان يحملون السيوف وحيوانات أسطورية متكئة على جدران القصر. واللافت للنظر أنه تم إنشاء القصر بحيث لا تغيب عنه الشمس.
أشباح ليلية:-

معظم الأقاويل التي جعلت “قصر البارون” بيتا حقيقيا للرعب تدور حول سماع أصوات لنقل أساس القصر بين حجراته المختلفة في منتصف الليل، والأضواء التي تضيء فجأة في الساحة الخلفية للقصر وتنطفئ فجأة أيضا، وتبلغ درجة تصديق السكان المجاورين للقصر حدا كبيرا، فيصرح بواب إحدى العمارات المواجهة للقصر بأن الأشباح لا تظهر في القصر إلا ليلا، وهي لا تتيح الفرصة لأحد أن يظل داخل القصر
ومن شدة ولع البارون بمصر أوصى أن يدفن بها حيث وافته المنية في إحدى السفن في بلجيكا فأحضروه إلى مصر ودفن أسفل كنيسة البازليك في مصر الجديدة عام 1929 كذلك إبنه دفن معه. إهتمت الحكومة المصرية بضرورة ترميم قصر البارون مع المحافظة على رونقه الأثري القديم من عدم إستخدام رخام جديد أو خشب نوافز جديدة،وكلفت هيئة الأثار بترميمه تحت رعاية القوات المسلحة وتم تكلفة الترميم والحديقة التي أظهرت رونق القصر حوالي مئة مليون جنيه مصري وإفتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسى وإنهال جمهور من الصحفيين والإعلاميين على زيارة القصر ثم تم فتحه لكافة الناس بتذاكر رمزية ليروا ماذا حدث للقصر بعد إهمال قرن من الزمان.
تحية لكل العاملين بالقصر ورجال الأمن بما يبذلوا من مجهود ضخم لإظهار المزار السياحي في أحسن صورة .
وبقلمي أوجه دعوة لزيارة هذا المكان الرائع وتنشيط السياحة الداخلية في ظل إستخدام الطرق الوقائية،وحقا تم إستخدام الطرق الوقائية من تقليل الأعداد للزائرين داخل القصر والتطهير الدائم للمواطنين والمكان.
حقا أفتخر بكل عزة وأقول أنا من البلد دي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.