مختارات إسلاميه ومع نبى الله إسماعيل عليه السلام ( الجزء الأول )

64

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

إن الأنبياء لا يوازيهم من ليس منهم في الفضل، سواء الملائكة ومن سواهم من الأولياء، فالولي لا يساوي النبي في الدرجة، وكذلك الملائكة لا يساوون الأنبياء في الدرجة، ومن زعم أن إنسانا من غير الأنبياء يكون في درجة نبي من الأنبياء فقد خرج من الشريعة وكذب القرءان الكريم، ونبى الله إسماعيل هو إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عليهما الصلاة والسلام.

وهو ابن هاجر المصرية التي وهبتها سارة زوجة إبراهيم إلى زوجها إبراهيم، وهو جد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، إذ إن الرسول الكريم محمد، يعود نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، ولقد بشر الله تبارك وتعالى خليله إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام، وقد رزق به وله من العمر سبع وثمانون سنة.

ولما شب إسماعيل وصار يسعى في مصالحه كأبيه رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي ومن خصائص الأنبياء أن قلوبهم لا تنام إنما تنام أعينهم، فأخبر إبراهيم ولده إسماعيل بهذه الرؤيا فكان موقف إسماعيل الصبر والثبات، وأظهر لأبيه التسليم لأمر الله وأنه سيكون عونا له على طاعة الله، فكان له الدرجات العلى عند الله.

كان نبي الله إبراهيم عليه السلام متزوجا من السيده سارة أخت نبي الله لوط عليه السلام، وهي ابنة خالته، وأنه لم يرزق منها بولد طوال أكثر من عشرين عاما، فدعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلا (ربّ هب لي من الصالحين) وكانت السيده سارة تعلم برغبة إبراهيم عليه السلام، في أن يصبح أبا ويكون له ولد يعينه في حياته ويرثه بعد مماته، وكانت لها جارية مصرية قبطية، اسمها هاجر، فوهبتها له، ليتزوجها عسى أن يتحقق له مايريد.

وهكذا حقق الله عز وجل، دعوة خليله إبراهيم عليه السلام، وحملت السيده هاجر ( فبشرناه بغلام حليم)، وهو اسماعيل عليه السلام، فاغتاظت سارة ولحقتها الغيرة، فكانت تدور بينها وبين هاجر خلافات كالتي تحصل بين الزوجتين في البيت الواحد، ولكن إبراهيم عليه السلام، كان يوفق بينهما في كل مرة، وظلت الحال كذلك حتى ولدت هاجر إسماعيل عليه السلام، وكان إبراهيم عليه السلام، في السادسة والثمانين من العمر.

وسارة قد بلغت سن اليأس من الإنجاب، فتعاظمت غيرة سارة، وبات الخليل إبراهيم عليه السلام، في حيرة في أمره، كيف يستطيع التوفيق بينهما وهو في هذا العمر شيخ كبير، وبدأ نبى الله إبراهيم عليه السلام، يناجي ربه، ويطلب إليه أن يعينه ويساعده، فبشره الله سبحانه بولد آخر تنجبه السيده سارة: ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، قالت: ياويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله؟

وبعد خمس سنوات على ولادة إسماعيل عليه السلام، أنجبت السيده سارة إسحاق عليه السلام، وهكذا صار لإبراهيم ولدان: وهما إسماعيل عليه السلام من السيده هاجر، وإسحاق عليه السلام من السيده سارة، ولحكمة أرادها الله، وتحاشيا لما قد يقع بين الزوجتين وولديهما من الخلاف والمشاحنات أمر الله سبحانه خليله إبراهيم عليه السلام، أن يخرج بإسماعيل عليه السلام وأمه هاجر، ويبتعد بهما عن سارة، التي اغتمت كثيرا وثقل عليها أمر هاجر وولدلها إسماعيل، بعد أن صار لها ولدا.

وإستجاب الخليل إبراهيم عليه السلام، لأمر ربه، فخرج بهاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، وهو لايدري إلى أين يأخذهما، فكان كل ما مر بمكانٍ أعجبه فيه شجر ونخل وزرع قال: إلى ههنا يارب؟ فيجيبه جبرائيل عليه السلام: امض يا إبراهيم، وظل خليل الله وهاجر سائرين، ومعهما ولدهما الرضيع إسماعيل حتى وصلوا إلى مكة، حيث لا زرع هناك ولاماء، اللهم إلا دوحة ألقت عليها هاجر كساء كان بحوزتها، ليظلهم من حرِ الشمس اللاهبة.

وأراد الخليل إبراهيم عليه السلام، أن يترك هاجر وولدها إسماعيل، في ذلك المكان القاحل المقفر، حيث لادار ولانافخ نار، ولاطعام فيه ولاشراب، إلا كيس من التمر وقربة صغيرة فيها قليل من الماء كانوا قد حملوهما معهم عند بدء رحلتهم، فخافت هاجر على نفسها الجوع والعطش، وعلى ولدها الهلاك، فتعلقت بإبراهيم عليه السلام، تريد ألا تتركه يذهب، وراحت تساله: إلى أين تذهب ياإبراهيم وتتركني وطفلي في هذا المكان الذي ليس فيه أنيس، ولا زرع ولا ماء؟ أو ما تخاف أن نهلك أنا وهذا الطفل جوعا وعطشا؟

ورق قلب الخليل إبراهيم عليه السلام، ولكنه أمر الله له، وهو إنما ينفذ ماأمره به ربه؟ وأشاح بوجهه عنها، ولكن هاجر ألحت في السؤال، وظل إبراهيم عليه السلام، منصرفا عنها يناجي ربه، ويأتي الجواب، جازما حاسما لاتردد فيه ولاتراجع: إن الله هو الذي أمرني بترككم في هذا المكان، وهو لاشك سيكفيكم، فلاذت أم إسماعيل بالصمت، ورضخت هي الأخرى لما أراده الله ثم قالت: إذن لايضيعُنا.

ورفع إبراهيم عليه السلام، يديه بالدعاء متضرعا إلى الله تعالى وهو يهم بالعودة: ( رب إنّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم. وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) ثم قفل عائدا إلى بلاد الشام حيث سارة، وقلبه يهوي إلى مكة، إلى ولده وفلذة كبده إسماعيل الرضيع، ولاحيلة له إلا الدعاء والتضرع.

وقد نفد التمر والماء من بين يدي السيده هاجر عليها السلام واشتدت حرارة القيظ فعطش الرضيع وطلب الماء ليشرب، وراح يتلوى من الجوع والعطش فلم تعد هاجر تطيق رؤية طفلها على هذه الحال، فراحت تنظر إليه وعيناها مغرورقتان بالدمع، لاتدري ماذا تفعل، فهي لن تترك وليدها يقضي جوعا وعطشا، لا، لا، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا المصير، فلا بد أنها ستجد الماء، فالله لن يضيعها وطفلها، وقامت هاجر في الوادي في موضع السعي أيام الحج، ونادت هناك: هل في الوادي من أنيس، فلم يجبها أحد غير الصدى.

وانطلقت هاجر تبحث عن الماء في كل اتجاه، وكان الصفا أقرب جبل إليها، فصعدت عليه وراحت تنظر يمنه ويسرة وفي كل ناحية فلاح لها على المروى سراب طنته ماء، نزلت عن الصفا وراحت تسعى مهرولة في الوادي باتجاه جبل المروة، وفي ظنها أنها ستجد الماء، ولكنها لم تجده ، فوقفت منهكة تنظر وتتفحص فلاح لها سراب في الجهة الأخرى على الصفا وكأنه الماء فعادت مهرولة إلى الصفا ولكنها لم تجد هنالك شيئا.

وهكذا في كل مرة، حتى فعلت ذلك سبع مرات وطفلها لم يفارق مخيلتها، ولم تكن تطيق أن يغيب عن ناظريها، فلما كانت في المرة السابعة، وقد اشتد بها العطش، وأخذ منها التعب، وأنهكها المسير، دون أن تعثر على الماء، نظرت إلى طفلها والدموع تكاد تطفر من عينيها، فإذا الماء ينبع من تحت قدميه، فأتته مسرعة وراحت تجمع حوله الرمل وهي تقول: زم زم، ثم أخذت تعب من الماء حتى ارتوت وانحنت على إسماعيل ترضعه، فإذا بها تسمع صوتا يقول لها: لاتخافي الضيعة.

فإن ها هنا سيكون بيت لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، فقري عينا، إن الله لايضيع أهله، وفأخذت منه بيدها وجعلت تغرف منه في سقائها وهو يفور فشربت حتى ارتوت وأرضعت إسماعيل، ومر بها قوم وهي عند الماء فسألوها: أتأذنين أن ننزل عند؟، فقالت لهم: نعم، لكن لا حق لكم في الماء، فقالوا: نعم، فنزلوا في المكان هم وأهلهم، وقد كانوا من العرب، فشب إسماعيل عليه السلام، بينهم وتحدث العربية، وزوجوه امرأة منهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.