مختارات إسلاميه ومع حادثة مقتل عثمان بن عفان ( الجزء الأول )

173

إعداد / محمـــــد الدكـــــرورى

عثمان بن عفان رضى الله عنه، تزوج ببنتين من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل أنه لا يعرف أحد تزوج ببنتي نبي غيره ، ولذلك سمي ذا النورين، وأنه من السابقين الأولين ، وأول المهاجرين ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعين حديثا ، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة كانت عمة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، وبذلك نال فضل القربة إلى رسول الله كما نال فضل الصهر والصحبة.

وتقول السيده عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مضطجعا في بيته كاشفا عن ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، فدخل وهو على تلك الحالة فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه، فقالت عائشة: يا رسول الله، دخل أبو بكر، فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ألا أستحى من رجل تستحى منه الملائكه “.

وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة خمسه وثلاثين من الهجرة يصبح عثمان بن عفان رضي الله عنه صائما، ويحاول الصحابة رضي الله عنهم إيصال الماء إليه، لكنهم لا يستطيعون، ويأتي وقت المغرب دون أن يجد رضي الله عنه شيئا يفطر عليه لا هو، ولا أهل بيته، ويكمل بقية الليل دون أن يفطر، وفي وقت السحر استطاعت زوجته السيدة نائلة بنت الفرافصة أن تحصل على بعض الماء من البيت المجاور خفية، ولما أعطته الماء، وقالت له: أفطر، نظر رضي الله عنه من النافذة، فوجد الفجر قد لاح، فقال: إني نذرت أن أصبح صائما.

فقالت السيدة نائلة: ومن أين أكلت ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال رضي الله عنه: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطّلع عليّ من هذا السقف، ومعه دلو من ماء، فقال: اشرب يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد، فشربت حتى نهلت، ثم قال صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا، فاختار رضي الله عنه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لشوقه إليه، وليقينه بأنه سوف يلقى الله شهيدا ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له من قبل.

وفي صباح يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمسه وثلاثين من الهجره، يدخل كثير بن الصلت أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول له: يا أمير المؤمنين، اخرج فاجلس في الفناء، أي فناء البيت، فيرى الناس وجهك، فإنك إن فعلت ارتدعوا، وذلك لهيبته رضي الله عنه، فقد كان عمره رضي الله عنه أكثر من اثنين وثمانين سنة، فقال عثمان رضي الله عنه: يا كثير رأيت البارحة، وكأني دخلت على نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر، وعمر فقال: ارجع، فإنك مفطر عندي غدا.

ثم قال عثمان رضي الله عنه: ولن تغيب الشمس هذا اليوم، والله إلا وأنا من أهل الآخرة، وخرج كثير بن الصلت رضي الله عنه بأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأمر عثمان رضي الله عنه بالسراويل أن تُعدّ له، لكي يلبسها، وكان من عادته رضي الله عنه ألا يلبسها في جاهلية، ولا إسلام، وقد لبسها رضي الله عنه، لأنه خشي إن قُتل أن يتكشف، وهو رضي الله عنه شديد الحياء، فلبس السراويل، ووضع المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ في كتاب الله.

ودخل عليه أبناء الصحابة للمرة الأخيرة، وطلبوا منه أن يسمح لهم بالدفاع عنه، فأقسم عثمان رضي الله عنه على كل من له عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله، ثم قال لغلمانه: من أغمد سيفه، فهو حر، فأعتق بذلك غلمانه، وقال رضي الله عنه أنه يريد أن يأخذ موقف ابن آدم الذي قال: ( لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين ) فكان آخر الناس خروجا من عند عثمان رضي الله عنه هو الحسن بن علي رضي الله عنهما.

وصلى عثمان رضي الله عنه صلاة نافلة ختم فيها سورة طه، ثم جلس بعد ذلك يقرأ في المصحف، في هذا الوقت كان أهل الفتنة يفكرون بشكل حاسم، وسريع في قتل عثمان رضي الله عنه، خاصة مع علمهم باقتراب الجيوش الإسلامية المناصرة للخليفة رضي الله عنه من المدينة المنورة، فدخل رجل يسمى كنانة بن بشر التجيبي، وكان من رءوس الفتنة بشعلة من نار، وحرق بابَ بيت عثمان رضي الله عنه، ودخل ومعه بعض رجال الفتنة، ثم دخل رجل آخر يسمونه الموت الأسود، قيل إنه عبد الله بن سبأ وقيل غيره.

فخنق عثمان بن عفان رضي الله عنه خنقا شديدا حتى ظن أنه مات، فتركه، وانصرف، ودخل بعد ذلك محمد بن أبي بكر الصديق، وكان يظنه قد مات، فوجده حيًا فقال له: على أي دين أنت يا نعثل؟ ونعثل هذه سُبّة تُقال للشيخ الأحمق، وللظبي كثير الشعر، فقال عثمان رضي الله عنه وأرضاه: على دين الإسلام، ولست بنعثل، ولكني أمير المؤمنين، فقال له محمد بن أبى بكر: غيرت كتاب الله، فقال عثمان رضي الله عنه: كتاب الله بيني وبينكم.

فتقدم إليه وأخذ بلحيته وهزّه منها وقال: إنا لا نقبل أن نكون يوم القيامة مما يقول ( ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضولنا السبيل ) فقال عثمان رضي الله عنه: يا ابن أخي إنك أمسكت لحية كان أبوك يكرمها، فلما قال له عثمان رضي الله عنه ذلك وضحت الحقيقة فجأة أمام محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكأن عثمان رضي الله عنه أزال بهذه الكلمات غشاوة كانت تحجب الحق والصواب عن قلب محمد بن أبي بكر.

وتذكر تاريخ عثمان رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبيه الصديق رضي الله عنه، ومع المسلمين، فاستحيا محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما، وخارت يده من على لحية عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبكى، ثم وقف، وتركه، وانصرف، فوجد القوم يدخلون على عثمان رضي الله عنه، فأمسك سيفه، وبدأ يدافع عن عثمان رضي الله عنه، ولكنهم غلبوه فلم يستطع أن يمنعهم، ويشهد بذلك السيدة نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنه.

ثم دخل على عثمان رضي الله عنه كنانة بن بشر الملعون، وحمل السيف، وضربه به، فاتقاه عثمان رضي الله عنه بيده فقطع يده، فقال عثمان رضي الله عنه عندما ضُرب هذه الضربه: بسم الله توكلت على الله. فتقطرت الدماء من يده، فقال: إنها أول يد كتبت المفصل، ثم قال: سبحان الله العظيم، وتقاطر الدم على المصحف، وتثبت جميع الروايات أن هذه الدماء سقطت على كلمة ( فسيكفيكهم الله ) من سورة البقره، وبعد ذلك حمل عليه كنانة بن بشر وضربه بعمود على رأسه، فخرّ رضي الله عنه على جنبه.

وهمّ كنانة الملعون بالسيف ليضربه في صدره، فانطلقت السيدة نائلة بنت الفرافصة تدافع عن زوجها، ووضعت يدها لتحمى زوجها من السيف فقُطعت بعض أصابعها بجزء من كفها، ووقعت السيدة نائلة رضي الله عنها، وطعن كنانة عثمان رضي الله عنه في صدره، ثم قام سودان بن حمران بحمل السيف، وطعن عثمان رضي الله عنه في بطنه فمال رضي الله عنه إلى الأرض فقفز على بطنه، واتكأ على السيف بجسده ليتأكد من اختراق السيف لجسد عثمان رضي الله عنه، ومات رضي الله عنه وأرضاه بعد هذه الضربة.

ثم قفز عليه عمرو بن الحمق، وطعنه في صدره تسع طعنات، وقال: هذه الثلاثة الأولى لله، وهذه الست لشيء في نفسي، واستشهد ذو النورين عثمان رضي الله عنه وأرضاه زوج ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم، والمبشر بالجنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، وثالث الخلفاء الراشدين، وقد لقى بعد استشهاده رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وعده بذلك.

وبعد أن قتل هؤلاء الخوارج المجرمون عثمان رضي الله عنه أخذوا ينهبون ما في بيته ويقولون: إذا كان قد أُحل لنا دمه أفلا يحل لنا ماله؟ وأخذوا كل شيء حتى الأكواب، ولم يتركوا شيئا، ثم همّوا بعد ذلك أن يقطعوا رأس عثمان رضي الله عنه، فصرخت السيدة نائلة، والسيدة أم البنين زوجتاه، وصرخت بناتُه، فقال عبد الرحمن بن عديس، وهو أحد رءوس الفتنة: اتركوه، فتركوه، وبينما هم خارجون، قفز غلام لعثمان رضي الله عنه على سودان بن حمران أحد قتلة عثمان رضي الله عنه، فقتله.

فقام رجل من أهل الفتنة يسمى قترة، فقتل الغلام، فقام غلام آخر، وقتل قترة، فقام القوم، وقتلوا الغلام الثاني، وقُتل أيضا بعض الصحابة، وبعض أبنائهم، وجُرح عبد الله بن الزبير، كما جُرح الحسن والحسين رضي الله عنهم جميعا، وهم يدافعون عن عثمان بن عفان، ولما قتل عثمان رضي الله عنه، قبل صلاة المغرب، تقدم مجموعة من الصحابة إلى بيته وصلوا عليه في بيته بين المغرب والعشاء، وحمله الصحابة رضوان الله عليهم جميعا إلى مكان خارج المدينة يُسمى، حش كوكب، وهو غير المكان الذي يدفن فيه أهل المدينة موتاهم، وقد ذهب به الصحابة رضوان الله عليهم إلى هذا المكان.

لأنهم كانوا يخشون عليه من أهل الفتنة أن يخرجوه جسده، ويمثّلوا به، أو أن يقطعوا رأسه رضي الله عنه كما حاولوا ذلك بعد قتله، وقد ترك عثمان رضي الله عنه في بيته وصية كان فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيى وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.