مختارات إسلاميه ومع حادثة مقتل عثمان بن عفان ( الجزء الثانى )

155

إعداد / محمـــــد الدكـــــرورى

عثمان بن عفان رضى الله عنه، هو أول الناس إسلاما بعد أبي بكر الصديق، وعلي بن أبى طالب، وزيد بن حارثة، وهو أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله ، ولذا قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط ” وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان أشبه الناس بإبراهيم عليه السلام ، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها ، حيث قالت: لما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم كلثوم قال لها: ” إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد ” .

وجاء عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم ” وأن رسول الله بشره بالجنة في أكثر من مرة، ومن ذلك ما ذكره البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان بن عفان حين حوصر أشرف على الناس فقال : أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة ؟ فحفرتها ، فصدقوه بما قال .

فعندما علم الصحابة رضي الله عنهم بمقتل عثمان، وعلموا أمرا آخر عجيبا، فالقتلة بعدما فعلوا هذه الجريمة النكراء، فعلوا كما فعل أصحاب موسى عليه السلام لما عبدوا العجل، فقد ندموا على هذا أشد الندم، فهؤلاء القتلة بعد أن شاهد كثير منهم الدماء، وشاهدوا عثمان بن عفان رضي الله عنه طريحا على الأرض شعروا بجرمهم وبسوء ما فعلوا، فندموا على ذلك، ونُقل إلى الصحابة رضي الله عنهم هذا الأمر، فقال الزبير بن العوام رضي الله عنه: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحّم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبًا لهم.

ولما بلغ علي بن أبى طالب، رضي الله عنه هذا الخبر، وقيل: كان بحضرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما بلغه هذا الخبر، الحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، فلطم الحسين، وضرب الحسن، في صدره، وسب عبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، وقال لهم: كيف يُقتل، وهو بين أيديكم؟ ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم قالوا له: إنهم قد ندموا على ما فعلوا.

ولما بلغ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه خبر قتل عثمان رضي الله عنه استغفر له وترحم عليه، ثم قال: اللهم اندمهم ثم خذهم، ودعوته رضي الله عنه مستجابه لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يكون مستجاب الدعوة، واستجاب الله عز وجل لدعوته، فقد أقسم بعض السلف بالله: إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا، وتأخر بعض هؤلاء القتلة إلى زمن الحجاج، وقُتل على يده، ولم يفلت أحد منهم من القتل، وباءوا بشَرَّي الدنيا والآخرة.

وبعد هذه الأحداث أخذت السيدة نائلة بنت الفرافصة رضي الله عنها زوجة عثمان رضي الله عنه، أخذت القميص الذي قُتل فيه عثمان رضي الله عنه وعليه دماؤه، وأصابعها، وكفها التي قُطعت، وهي تدافع عن زوجها، وأعطت كل ذلك للنعمان بن بشير رضي الله عنه، وقالت له: خذهم إلى معاوية بن أبي سفيان فهو وليه، وحمل النعمان بن بشير رضي الله عنه هذه الأمانات إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بالشام، فلما وصلت هذه الأشياء إلى معاوية رضي الله عنه علّقها على المنبر في المسجد، وبكى وأقسم أن ينتقم، وأن يثأر له.

ووافقه أهل الشام جميعا على ذلك، وكان فيهم الكثير من الصحابة، كأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وغيرهم رضي الله عنهم جميعا، وكان أبو الدرداء قاضي الشام، ومن أعلم أهلها، وأفتى رضي الله عنه بوجوب أخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله عنه، فجلس سبعون ألف رجل يبكون تحت قميص عثمان بن عفان ويقسمون على الأخذ بثأره، وكان من بين من وافق على هذا الأمر وأفتى به، بوجوب أخذ الثأر، أبو مسلم الخولاني وهو من كبار التابعين، ويُقال أنه أعلم أهل الشام بعد أبي الدرداء رضي الله عنه.

ووصل هذا الخبر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، وأرضاها، وكانت في مكة هي وجميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم للحج، وكُن في طريقهن إلى المدينة عائدات من الحج حين بلغهم مقتل عثمان رضي الله عنه، فرجعن إلى مكة مرة أخرى، ولما علمت السيدة عائشة رضي الله عنها بمقتل عثمان رضي الله عنه قالت: تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه، ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟ فقال لها مسروق وهو من كبار التابعين: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه.

فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون، وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا، وصدقت رضي الله عنها وأرضاها فيما قالت، وبعد أن رجع أمهات المؤمنين إلى مكة انتظرن إلى أن يرين ما تصير إليه الأمور، وفي تلك الفترة كان على المدينة أميرُ أهل الفتنة الغافقي بن حرب، وقد سارع المتمردون من أهل مصر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقولون له: نبايعك على الإمارة.

فسبّهم، ولعنهم، ورفض ذلك، وطردهم، وذهب إلى حائط، أى بستان، من حيطان المدينة، وذهب المتمردون من أهل الكوفة إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، وطلبوا منه أن يكون أميرا، ففعل معهم مثل ما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذهب كذلك أهل البصرة إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه وطلبوا أن يكون أميرا، فرفض ذلك وردهم، وتحير أهل الفتنة فيمن يتولّى خلافة المسلمين، وحتى هذه اللحظة لم يفكر المتمردون في تولية أحدهم أميرا على المسلمين.

وإنما جعلوا الغافقي أميرهم أميرا على المدينة إلى أن يتم اختيار الأمير، وكان يصلى خلفه المتمردون، وأهل المدينة، واستمر الحال على هذا الأمر خمسة أيام، وسارع الصحابةُ رضوان الله عليهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقالوا له: أنت أحق الناس بهذا الأمر فامدد يدك نبايعك، فرفض علي رضي الله عنه هذا الأمر، وازدادت حيرة أهل الفتنة، فذهبوا إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فرفض هذا الأمر تماما، فقالوا له: أنت ممن رضي عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم عمر، ولكنه رضي الله عنه رفض.

فذهبوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فرفض أيضا، فرجعوا مرة أخرى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الصحابة رضوان الله عليهم لعلي رضي الله عنه: إن لم تكن أميرا، فسوف يجعلون الأمير منهم، يعني أهل الفتنة، فاجتمع على علي رضي الله عنه بعض الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، وبعض أهل الفتنة، وطلبوا منه أن يكون الأمير، وكان أول من بايعه الأشتر النخعي، وكان ممن خرج مع أهل الفتنة من الكوفة.

وعندما وصل الخبر الى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، خبر قتل عثمان رضي الله عنه، ووصله القميص، وأصابع وكف السيدة نائلة، وقالت له السيدة نائلة رضي الله عنها في الرسالة التي بعثت بها إليه: إنك ولي عثمان، لأنه من بني أمية، فلم يبايع معاوية رضي الله عنه عليا رضي الله عنه، واشترط أن يأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه، وأن يقتص من قاتليه، وأن من لم يفعل ذلك، فقد عطل كتاب الله، ولا تجوز ولايته، فكان هذا اجتهاده رضي الله عنه، ووافقه على هذا الاجتهاد مجموعة من كبار الصحابة، منهم قاضي قضاة الشام أبو الدرداء رضي الله عنه، وعبادة بن الصامت وغيرهما.

فكانت هذه نهاية عثمان بن عفان، رضى الله عنه، الذى قيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصه بالسفارة إلى قريش يوم الحديبية، ولما حضرت بيعة الرضوان جعل صلى الله عليه وسلم نفسه نائبا في البيعة عن عثمان، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم، وهذا هو عثمان الذى قام بتوسعة المسجد بعد أن اشترى المنازل المحيطة به وضمها إليه ، وكما زاد في مسجد المدينة ووسعه وبناه بالحجارة المنقوشة.

وهذا هو عثمان بن عفان، رضى الله عنه، الذى قيل عنه، أن المسلمين لم يعرفوا الغزو بحرا إلا في عهده ، بعد أن أقيم أول أسطول إٍسلامي للمسلمين في مصر والشام ، وفتحت في عهده بعض جزر البحر المتوسط التي كانت تتحكم في تجارة البحر ، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأول جيش يركب البحر ، وبالطبع شمل الدعاء من أرسل هذا الجيش، لأنه صاحب الفضل في إرساله .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.