مختارات إسلاميه ومع المسجد ذات القبلتين

63

إعداد / محمــــد الدكــــــرورى

إن من نعم الله عز وجل، الجليلة علينا أن هدانا في صلاتنا ودعائنا إلى استقبال بيته الحرام فهي نعمة عظمى ومنّة كبرى هدانا الله عز وجل إليها وأضل عنها غيرنا، ولهذا فإنا نُحسد على هذه النعمة فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أهل الكتاب ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” إنهم لا يحسدوننا على شيء مثل حسدهم لنا على يوم الجمعة الذي هدانا الله إليها وأضلهم عنها، وعلى استقبال بيته الحرام الذي هدانا إليه وأضلهم عنه وعلى قولنا خلف الإمام: آمين ” رواه احمد .

يعود سبب تسميته بمسجد القبلتين إلى أنه في عهد النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام كان هناك جماعة مسلمين يصلون بإتجاه المسجد الأقصى، فنادى بهم منادي على أنه تحول إتجاه القبلة من بيت المقدس وأصبحت القبلة إلى المسجد الحرام عن طريق نزول الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبره بهذا الأمر، وبعد ذلك عمل الصحابة بتحويل أجسادهم ووجوههم إلى المسجد الحرام في مكة.

ولقد كان الأمر في بادئ الأمر وأول الإسلام عندما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كان الأمر في أول الإسلام أن القبلة في الصلاة إلى بيت المقدس وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم وصلى فيها مدة طويلة مستقبلا في صلاته بيت المقدس كما أمره ربه عز وجل، ومضى على هذه الحال مستقبلا في صلاته بيت المقدس مطيعا لله عز وجل في أمره وهو عليه الصلاة والسلام ينظر إلى السماء ويحب أن يحوّل إلى بيت الله الحرام .

وإن الله عز وجل استجاب لدعاء نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ورغبته في تحويل القِبلة إلى الكعبة المشرفة، وقيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، زار أم بشير بن البراء بن معرور، فتغدى وأصحابه وجاءت الظهر، فصلى بِأصحابه في مسجد القبلتين ركعتين من الظهر إلى الشام وأُمر أن يستقبل الكعبة وهو راكع في الركعة الثّانية، فاستدار إلى الكعبة واستدارت الصفوف خلفه ثم أتم الصلاة، فسمي مسجد القبلتين لهذا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، حينها في مسجد بني سلمة، فسمي بهذا الاسم لأن النبي تحول فيه من القبلة الأولى وهي بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.

وإن الله عز وجل، جعل حكمة في كل شيء قدره، وقد كان في تحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة اختبارا وابتلاء لقلوب الناس كافة، المسلمون والمنافقون والمشركون واليهود، فأما المسلمون فلم يتردد أحد منهم باتباع أمر الله عز وجل، وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأما المنافقون فقالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يعلم أين يستقر وما هي حقيقة دينه وصلاته، وأما اليهود فلم يعجبهم أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كان على قبلة ثم تحول عنها.

وقد زعموا أنه لو كان نبيا لثبت على قبلة بيت المقدس، وأما المشركون فقالوا رجع محمد إلى قبلتنا ويوشك أن يعود إلى ديننا كذلك، فاختلفت مواقفهم وظهرت خفايا قلوبهم، وكانت أيضا دلالة على نبوة النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، إذ أخبر الله عز وجل، نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قبل تحويل القبلة عن موقف اليهود وماذا سيقولون حين تتغير القبلة وهو أمر غيبى لم يكن النبي يعرفه لولا أن الله عز وجل أخبره به.

وكانت تحويل القبله هى تمييزا للمسلمين وإعطائهم صفة أمة الوسط، فكما أن أمة الإسلام أمة وسطية في الفكر والاعتقاد وفي البعد عن أي غلو مادي وروحي، فهي أيضا وسطية في المكان، فهي تتوسط الأقطار بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وكذلك كانت تثبيتا وتحقيقا لمعنى نهي الإسلام اتباع المسلمين لغيرهم وتشبههم بغيرهم من الأديان.

فتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة كان تمييزا للمسلمين، وإفرادهم في عبادتهم المرتبطة بالكعبة المشرفة، وكذلك تربية للمسلمين، إذ كانوا قبل الإسلام يعظمون ويجلون الكعبة المشرفة تعصبا لقوميتهم وعروبتهم، فجعل الله عز وجل، قبلتهم في البداية إلى بيت المقدس، ثم ربطهم بالكعبة المشرفة برباط الدين والعقيدة وليس برباط القومية.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ” صلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا مستقبلا بيت المقدس وهو عليه الصلاة والسلام يعجبه أن يتحول إلى الكعبة فكانوا في صلاة العصر وهو في مسجده عليه الصلاة والسلام فنزل عليه قول الله تعالى: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلَنُوَلِّيَنَّكَ قبلةً ترضاها فولِّ وجهَكَ شَطرَ المسجد الحرام وحيثُ ما كنتم فوَلُّوا وجوهكم شَطرَه ﴾

ومن حينها استقبل عليه الصلاة والسلام الكعبة في صلاته وفي دعائه صلى الله عليه وسلم، وكانت أول صلاة صلاها في مسجده صلى الله عليه وسلم، مستقبلا الكعبة صلاة العصر، فخرج رجل ممن صلى معه وكان يمر على المسجد ويقول للناس وهم يصلون: أشهد بالله العلي العظيم أني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبل الكعبة فكانوا يستديرون في صلاتهم مستقبلين بيت الله عز وجل مطيعين لله ممتثلين أمره يقول جل وعلا: ﴿ ليس البرَّ أن تُولُّوا وجوهَكم قِبَل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله)

وقد تم بناء مسجد القبلتين في عهد النبي الكريم محمد صل الله عليه وسلم من العام الثاني للهجرة على يد بنو سواد بن غنم بن كعب، حيث تم بناءه في ذلك الوقت بإستعمال الطوب اللبن وسعف النخيل وجذوع النخيل، ومسجد القبلتين له أهمية تاريخية في التاريخ العربي والإسلامي، حيث إنه في هذا المسجد نزل الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام لتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة حيث كانت القبلة قبل ذلك هي بيت المقدس.

ويقع مسجد القبلتين في الأطراف الغربية من المدينة المنورة في منطقة بني سلمى والموجود على هضاب تسمى بحرة الوبرة على الطريق الشمالي الغربي بإتجاه المدينة المنورة طريق خالد بن الوليد عند التقاطع مع طريق سلطانة وهي المركز التجاري للمدينة وعلى مقربة من شارع الملك عبدالله من الجهة الغربية.

ويشتهر مسجد القبلتين بأن لونه أبيض ناصع، فيما يتعلق بمساحة المسجد تبلغ قرابة أربعة ألاف مترا مربعا، ويعلو مسجد القبلتين قبتان، القبة الأولى بقطر ثمانية أمتار والقبة الثانية بقطر سبعة أمتار، وارتفاع يصل إلى حوالي سبعة عشر مترا لكل قبة، ويجب أن نعلم جميعا أن التسمية بمسجد القبلتين لا تختص بمسجد معين لكونه صُلي فيه إلى القبلتين فها هو مسجد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام صلى فيه إلى القبلتين، ومسجد قباء صُلي فيه إلى القبلتين.

وسائر المساجد الموجودة في المدينة في ذلك الوقت صُلي فيها إلى القبلتين وبهذا نعلم أنه ليس هناك مسجد في المدينة يختص بفضيلة معينة لكونه صلي فيه إلى القبلتين، ولو كان هناك مسجد يختص بفضيلة لكونه صُلي فيه إلى القبلتين لكان أحق المساجد بهذه الفضيلة مسجد النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام فقد صُلي فيه إلى القبلتين، لكن ليس هناك فضيلة تختص بمسجد لكونه صلي فيه إلى القبلتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.