مختارات إسلاميه ومع الحجاج بن يوسف الثقفى ( الجزء الأول )

166

إعداد/ محمد الدكرورى

هو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، السفياني الثقفي، وهو سياسي أموي، وقائد عسكري، من أشهر الشخصيات في التاريخ الإسلامي والعربي، وهو طاغية متجبر وقد عُرف بلقب المبير،أى المبيد، وهو خطيب بليغ، وقد لعب دورا كبيرا في تثبيت أركان الدولة الأموية، وسير الفتوح، وتخطيط المدن، وبنى مدينة واسط.

وقد حاصر مكة وهدم الكعبة بالمنجنيق، واختلط في المخيلة الشعبية بروايات مبالغ فيها تدل على ميراث الرعب الهائل الذي خلفه، وقيل أن الحجاج كان قبيح الوجه وصغير الجسد ، ولكن كان فصيحا وبليغا وخطيبا جبارا ، وقد كان ناصبيا يبغض عليا في هوى بني أمية وكان جبارا عنيدا مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة ، وكان حقودا حسودا كما وصف نفسه لعبد الملك بن مروان.

وكان سياسيا محنكا وقائدا مدبرا، وكثيرا ما استخدم المكر والخداع لكي ينتصر في حروبه، وقد وُلد الحجاج بن يوسف الثقفي في منازل ثقيف بمدينة الطائف، في عام الجماعة واحد وأربعين هجريه وكان اسمه كليب ثم أبدله بالحجاج، وأمه هى، الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي الصحابي الشهيد.

وكان الأمويون هم السلالة الإسلامية الأولى التي حكمت بعد العهد الراشدي، وقد امتدت خلافتهم ما يقرب من تسعين سنه، ويعدّ معاوية بن أبي سفيان هو مؤسس هذه السلالة، الذي كان على ولاية الشام في خلافة عمر بن الخطاب، وقد انتقلت الخلافة إلى الفرع السفياني بعد وفاة الحسن بن علي، وانتهت الخلافة الأموية بخلافة مروان بن محمد بن الحكم، حيث سقط الحكم الأموي على يد العباسيين، وقد كان للأمويين ولاة على الأمصار في الدولة.

ومن هؤلاء الولاة الحجاج بن يوسف الثقفي الذي تولى الحجاز، ثم تولى العراق وبقي فيها عشرين عاما حتى مات، وقد نشأ في الطائف، وتعلم القرآن والحديث والفصاحة، ثم عمل في مطلع شبابه معلم صبيان مع أبيه، يعلم الفتية القرآن والحديث، ويفقههم في الدين، لكنه لم يكن راضيا بعمله هذا، على الرغم من تأثيره الكبير عليه، فقد اشتهر بتعظيمه للقرآن.

وكانت الطائف تلك الأيام بين ولاية عبد الله بن الزبير، و بين ولاية الأمويين، لكن أصحاب عبد الله بن الزبير تجبروا على أهل الطائف، فقرر الحجاج الإنطلاق إلى الشام، حاضرة الخلافة الأموية المتعثرة، التي تركها مروان بن الحكم نهبا بين المتحاربين، وقد تختلف الأسباب التي دفعت الحجاج إلى اختيار الشام مكانا ليبدأ طموحه السياسي منه رغم بعد المسافة بينها و بين الطائف، و قرب مكة إليه، لكن يُعتقد أن السبب الأكبر كراهته لولاية عبد الله بن الزبير.

وفي الشام، التحق بشرطة الإمارة التي كانت تعاني من مشاكل جمة، منها سوء التنظيم، واستخفاف أفراد الشرطة بالنظام، و قلة المجندين، فأبدى حماسة وانضباطا، و سارع إلى تنبيه أولياء الأمر لكل خطأ أو خلل، و أخذ نفسه بالشدة، فقربه روح بن زنباع قائد الشرطة إليه، ورفع مكانته، ورقاه فوق أصحابه، فأخذهم بالشدة، وعاقبهم لأدنى خلل، فضبطهم، وسير أمورهم بالطاعة المطلقة لأولياء الأمر.

وقد لمس فيه روح بن زنباع العزيمة والقوة الماضية، فقدمه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، و كان داهية مقداما، وقد جمع الدولة الأموية وحماها من السقوط، فأسسها من جديد، إذ أن الشرطة كانت في حالة سيئة، و قد استهون جند الإمارة عملهم فتهاونوا، فأهم أمرهم عبد الملك بن مروان، وعندها أشار عليه روح بن زنباع بتعيين الحجاج عليهم، فلما عينه، أسرف في عقوبة المخالفين، و ضبط أمور الشرطة، فما عاد منهم تراخ، و لا لهو.

إلا جماعة روح بن زنباع، فجاء الحجاج يوما على رؤوسهم و هم يأكلون، فنهاهم عن ذلك في عملهم، لكنهم لم ينتهوا، ودعوه معهم إلى طعامهم، فأمر بهم، فحبسوا، و أحرقت سرادقهم، فشكاه روح بن زنباع إلى الخليفة، فدعا الحجاج وسأله عما حمله على فعله هذا، فقال إنما أنت من فعل يا أمير المؤمنين، فأنا يدك و سوطك، وأشار عليه بتعويض روح بن زنباع دون كسر أمره.

و كان عبد الملك بن مروان قد قرر تسيير الجيوش لمحاربة الخارجين على الدولة، فضم الحجاج إلى الجيش الذي قاده بنفسه لحرب مصعب بن الزبير، ولم يكن أهل الشام يخرجون في الجيوش، فطلب الحجاج من الخليفة أن يسلطه عليهم، ففعل، فأعلن الحجاج أن أيما رجل قدر على حمل السلاح و لم يخرج معه، أمهله ثلاثا، ثم قتله.

وقد أحرق داره، و انتهب ماله، ثم طاف بالبيوت باحثا عن المتخلفين، وبدأ الحجاج بقتل أحد المعترضين عليه، فأطاع الجميع، و خرجوا معه، بالجبر لا الإختيار، وقد لفت الحجاج أنظار الخليفة عبد الملك بن مروان، ورأى فيه شدة وحزما وقدرة وكفاءة، وكان في حاجة إليه؛ حتى ينهي الصراع الدائر بينه وبين عبد الله بن الزبير الذي كان قد أعلن نفسه خليفة سنة أربعه وستين من الهجره، بعد وفاة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.

وقد دان له بالولاء معظم أنحاء العالم الإسلامي، ولم يبق سوى الأردن التي ظلت على ولائها للأمويين، وبايعت مروان بن الحكم بالخلافة، فنجح في استعادة مصر من قبضة ابن الزبير، ثم توفي تاركا لابنه عبد الملك استكمال المهمة، فانتزع العراق، ولم يبق في يد عبد الله بن الزبير سوى الحجاز، فجهز عبد الملك حملة بقيادة الحجاج، للقضاء على دولته تماما.

وقد حاصر الحجاج مكة المشرفة، وضيق الخناق على ابن الزبير المحتمي بالبيت، وكان أصحابه قد تفرقوا عنه وخذلوه، ولم يبق سوى قلة صابرة، لم تغنِ عنه شيئا، ولم تستطع الدفاع عن المدينة المقدسة التي يضربها الحجاج بالمنجنيق دون مراعاة لحرمتها وقداستها؛ حتى تهدمت بعض أجزاء من الكعبة، وانتهى القتال باستشهاد ابن الزبير، وكان عمره اثنين وسبعين عاما، وتم القضاء على دولته.

وتم عودة الوحدة للأمة الإسلامية التي أصبحت في ذلك العام ثلاثه وسبعين من الهجره، تدين بالطاعة لخليفة واحد، وهو عبد الملك بن مروان، وكان من أثر هذا الظفر أن أسند الخليفة إلى الحجاج ولاية الحجاز مكافأة له على نجاحه، وكانت تضم مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليه اليمن واليمامة .

فكان عند حسن ظن الخليفة وأظهر حزما وعزما في إدارته، حتى تحسنت أحوال الحجاز، فأعاد بناء الكعبة، وبنى مسجد ابن سلمة بالمدينة المنورة، وحفر الآبار، وشيد السدود، وعلى قدر شهرة الحجاج بن يوسف الثقفى، فكانت شهرة ما نُسب إليه من مظالم، حتى عده كثير من المؤرخين صورة مجسمة للظلم، ومثالا بالغا للطغيان، وأصبح ذكر اسمه يستدعي في الحال معاني الظلم والاستبداد.

وقد ضاعت أعمال الحجاج الجليلة بين ركام الروايات التي تروي مفاسده وتعطشه للدماء، وإسرافه في انتهاكها، وأضافت بعض الأدبيات التاريخية إلى حياته ما لم يحدث حتى صار شخصية أسطورية بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع، وقليل من المؤرخين من أنصف الحجاج، ورد له ما يستحق من تقدير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.