فى طريق النور ومع نبى الله إسماعيل – الجزء الثانى

74

إعداد. محمد الدكرورى 

قد يظن ظان أن للمصادفة هنا محلا ، وأن من الأنبياء من أصابته النبوة وهو لا يستحقها، معاذ الله ، ولكن الله العليم الحكيم الخبير نظر في معادن العباد وقلوبهم ، واختار منهم واصطفى الأفضل الأكمل، وإن حكمة الله وعلمه قاضيان بأن لا تمنح النبوة والرسالة إلا للمستعد لها والقادر على حملها، وإذا تأملت في سيرة أنبياء الله ورسله رأيتهم أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما ، وأحضرهم بديهة ، وأشدهم تحملا ، وأرقهم طباعا، فلا عجب أن يختارهم الله ليكونوا أمناء وحيه ، والعاملين على إقامة دينه ، فهم القمم السامقة التي تعجز النفوس عن أن تبلغ مداها .

وكانت قبيله جرهم، وهي إحدى أكبر القبائل العربية في ذلك الزمان، مثلها مثل بقية القبائل العربية تجوب الأماكن بحثا عن الماء والعشب، وكانوا يقيمون في عرفات، مما أتاح لهم أن يروا الطير تحوم فوق وادي مكة، حيث انبجس الماء من بئر زمزم، فعرفوا أن في ذلك الوادي ماء، وبعثوا منهم من يتحقق من ذلك، فجاؤوا إلى الوادي فرأوا هاجر وإبنها إسماعيل، وشاهدوا البئر المملوءة ماء فأعجبهم المكان، فاقتربوا من هاجر وسألوها من تكون؟

فقصت السيده هاجر عليهم قصتها، فطلبوا منها أن تأذن لهم في النزول قريبا منها ومن البئر، فقالت لهم: سوف أستأذن لكم زوجي إبراهيم، فإنه يتفقدنا بين الحين والحين، ولما جاء إبراهيم ليرى إلام صار حال زوجته وابنه البكر إسماعيل عليه السلام، فسألته هاجر إن كان يأذن أن ينزل الجرهميون قريبا منها في وادي مكة، فسرَ بذلك سرورا عظيما، وقد علم أن دعوته بدأت تتحقق، فأذن لهم.

وجاءت رسل جرهم ليعرفوا الجواب، فأعلمتهم هاجر أن زوجها أذن لهم بالنزول قريبا منها، شرط ألا يكون لهم على الماء سلطان، فعادوا إلى قومهم يخبرونهم، ففرحوا بذلك ووافقوا، وأقام الجرهميون قرب الماء، فأنست بهم أم إسماعيل، وقد منحوا ابنها كثيرا من المواشي، وشبّ إسماعيل عليه السلام، بين أبناء قبيلة جرهم، كواحد منهم، فتعلم منهم العربية، وبلغ مبلغ الرجال.

ولما بلغ إسماعيل عليه السلام، الثالثة عشرة من عمره، أراد الله سبحانه وتعالى أن يمتحنه ويمتحن أباه إبراهيم عليه السلام، فأرى إبراهيم في المنام أنه يأمره بذبح ولده البكر الشاب إسماعيل، وصدق إبراهيم الرؤيا قولا وسعى إلى تصديقا عملا وفعلا، فجاء إلى ولده إسماعيل وقال له: (يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى).

فذهب إبراهيم عليه السلام لولده وأخبره بما أمره الله به، فما كان من هذا الولد الصالح ابن السيدة التي وكلّت أمرها لله تعالى في السابق إلا أن يستجيب لوالده ولأمر الله تعالى بكل حب وطواعية صابرا محتسبا، مرضيا لربه، وبارا بوالده، ولم يكن إسماعيل عليه السلام، ليكذب رؤيا أباه، ويرفض أمر الله مولاه، فقال لأبيه: ( يا أبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فانظروا إلى تمام العبودية وكمال الامتثال لأمر الله تعالى سواء من الأب الذي أُمر أن يذبح ولده الوحيد الذي طالما تمناه وبعد أن رزقه الله به على كبر.

ومن الابن الذي لم يتذمر ولم يرفض بل هانت عليه نفسه إرضاء لله تعالى، وأخبر والده أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة اللّه تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة اللّه تعالى، وهكذا صدق الإثنان: إبراهيم خليل الله، وولده إسماعيل عليهما السلام، صدقا أمر الله دون أن تراودهما الهواجس والشكوك، ولم يترددا في التنفيذ، وبدأ التنفيذ العملي لذلك التصديق: قاد الخليل إبراهيم عليه السلام، إسماعيل إلى المكان الذي أُمرا أن يذبحه فيه.

فبعث الله سبحانه إليه ملكا على صورة شيخ جليل رزين، فقال إبراهيم عليه السلام، ياإبراهيم، ماتريد من هذا الغلام؟ قال عليه السلام : أريد أن أذبحه، قال الشيخ: سبحان الله، غلام لم يعص الله، ولم يأتِ مايستحق منك ذلك، فقال إبراهيم عليه السلام، إن ربي هو الذي أمرني بذلك، فقال الملك الشيخ: ربك ينهاك عن ذلك ، فقال إبراهيم عليه السلام، ويلك إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به.

وظل الشيخ يحاور الخليل إبراهيم عليه السلام، ويقول له: ياإبراهيم إنك نبي إمام، فلئن أنت ذبحت إبنك، تبعك الناس من بعدك وصاروا يذبحون أولادهم، ولم يلتفت خليل الرحمن إلى كلام الشيخ، بل أقبل يستشير ولده إسماعيل عليه السلام، في الذبح وكيف يكون، فقال إسماعيل: يا أبتاه، غط وجهي بخمار، واربط يدي ورجلي، فقال إبراهيم عليه السلام : الوثاق مع الذبح، لا والله أجمعهما عليك، وأسلما لأمر الله، وتلّ إبراهيم إسماعيل، وأضجعه على الأرض وأخذ السكين ووضعها على حلقه.

ورفع رأسه إلى السماء، ولكن الله العزيز العليم، لم يكن ليترك إبراهيم يذبح ولده إسماعيل وهو يعلم صدق الأثنين وتسليمهما لأمره، ولما استسلم إبراهيم وولده لأمر الله تعالى وفوضا أمرهما إليه، ذهبا سويا إلى مكان بعيد وخلع إسماعيل قميصه ليكفنه والده فيه، وأضجع إبراهيم ولده على وجهه لئلا ينظر إليه فيشفق عليه، وفي هذه اللحظات التي تُسكب فيها العبرات، وتُحتبس من أجلها الأنفاس داخل الصدور، فلا ترى إلا المدامع في العيون.

وضع إبراهيم عليه السلام السكين على رقبة ولده ليحزها، فسُلبت السكين حدها كما سُلبت النار من قبل إحراقها، وجاءت البشرى فنودي إبراهيم عليه السلام، وقد ظهر هذا التصديق جليا واضحا:( فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه: أن ياإبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين) وأمر الله سبحانه جبريل عليه السلام فقلب السكين على قفاها، فلم تفعل شيئا.

ثم رفع إسماعيل عليه السلام، وأتى بكبش كبير أضجعه موضعه، ونجى إسماعيل من الذبح: ( وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين) وماتت هاجر أم إسماعيل عليه السلام، وجاء إبراهيم عليه السلام، إلى إسماعيل عليه السلام، بعد أن كان قد تزوج، فسأل امرأته عنه فقالت: “خرج يبتغي لنا”، وسألها عن هيئتهم وكيفية معيشتهم فأجابت: “نحن بشرن نحن في ضيق وشدة”، وأخذت تشكو له، فقال لها: “فإذا جاء زوجك فاقرئي عليْه السلام، وقولي له إذا جاء أن يغير عتبة بابه”

ولما جاء إسماعيل عليه السلام، سألها: “هل جاءكم من أحد؟، قالت: نعم، وقال كذا وكذا، فقال لها: “ذاك أبي وأمرني أن أُطلقك فالحقي بأهلك”، وطلقها، وتزوج ثانية، ثم عاد إبراهيم عليه السلام، وسأل امرأة إسماعيل عليه السلام، الثانية نفس ما سأل الأولى فأجابت: “نحن بخير وسعة”، وأثنت على اللَّه، فقال لها: “ما طعامكم؟”، قالتِ: “اللحم”، قال: “فما شرابكم؟” قالت: “الماء”، قال: “اللهم بارك لهم في اللحم والماء”، وقال لها: “فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه”.

وعندما جاء إسماعيل عليه السلام، أخبرته بما جرى، فقال لها: “ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك”، ثم عاد إبراهيم عليه السلام، إلى إسماعيل عليه السلام، بعد مدة، ولاقاه ملاقاة الأب لابنه، وقال له: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر “، قال: “فاصنع ما أمرك ربك، قال: “وتعينُني؟، قال: “وأُعينك”، قال: “فإن الله أَمرني أن أبني ها هنا بيتا “، وأشّر إلى مكان مرتفع، وبدأ كل من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، برفع قواعد البيت حتى ارتفع بناءه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.