النصيحة بين المسلمين

69

إعداد. محمد الدكرورى 

نحتاج جميعا فى هذه الأيام إلى النصح والإرشاد ولنعلم جميعا أن النصيحة مهمة وغالية وما أكثر الذين يجهلون آداب النصح ويضيعون على أنفسهم بل على غيرهم من الخير الكثير وما أكثر الذين يتكبرون على النصح والناصح لغلبت نفوسهم عليهم ، فلينصح الوالد ولده والكبير الصغير والرجل أهله ولا غرابة في أن ينصح الولد أباه والصغير الكبير والزوجة زوجها وإخوانها وأرحامها ، فكم من صغير مهتد وكم من كبير معوج وكم من زوجة أخرجت زوجها من وحل الذنوب والمعاصي إلى أمن الطاعة .

والله تعالى يقول ” ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ” ويقول عز وجل أيضا ” فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ” ففي الأية الأولى يدعو الله تعالى لئن تكون ” أمة ” أي جماعة يدعون الآخرين ، وفي الآية الثانية ” طائفة ” فلا يصلح لأن يكون كل الناس دعاة أو ناصحين ولكن هناك طائفة منهم يمكن أن يقوموا بالنصح ولا يمكن لغيرهم ، وكان السلف يختارون أشخاصاً من بينهم للمهام الجليلة التي تحتاج إلى معالجة .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” حق المؤمن على المؤمن ست وذكر منها ” وإذا استنصحك فانصح له ” يعني من حق أخيك المسلم عليك أنه إذا طلب منك النصح والمشورة أن تنصح له وتقدم له المشورة الصادقة كما تحبها لنفسك ، وقال رسول الله ” إن الله يرضى لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم ” رواه مسلم.

والإنسان في حياته الدنيا تصيبه المصائب والمحن والمشكلات وتغيب عنه الأمور أحياناً وتخفى عليه بعضها أحياناً أخرى فيحتاج بعد عون الله تعالى إلى إخوانه ينصحونه ويساعدونه ويرشدونه ليتبين له الطريق الأمثل ويستوضح الأمور ويهتدي إلى الرشاد ، ومن هنا فهو في أمس الحاجة إلى النصح والنصيحة والناصحين المخلصين ولا يستغني عن ذلك أبداً مهما كانت منزلته ومهما علا مقامه فيبقى محتاجاً لإخوانه ما دام إنساناً .

لذلك كانت النصيحة مشعل نور وهداية وسداد وتوفيق ، تؤتى ثمارها وتورق أشجارها حين يأخذها المرء بقناعة وتفهم ويشعر من داخله إنه متواضع لها فيوفق لخير الأمور وأعظم النتائج ، وعلى عكس هذا يكون المتعالي على النصح والنصيحة خاصة عندما يشعر نفسه بأنه فوق النصح والإرشاد فتكون النتائج المخيبة للآمال وانتكاسة الحال ويكون التعثر والتخبط .

إوإن من محاسن دين الإسلام أنه جاء بالنصيحة بين المسلمين، ونصح المسلم للمسلم، وهذا الأدب العظيم والشعيرة الإسلامية طالما غابت عن كثير منا، فلم يبذل كثير من الناس النصح، ولم يستمع المنصوح، فضاعت النصيحة بين التفريط فيها، وبين الانقياد للحق الذي يأتي فيها، وهكذا إذا رأيت أسباب الانحراف والأخطاء في الواقع رأيت أنه يعود إلى التقصير في هذه الفريضة الإسلامية، ولذلك فإن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد جعل من حق المسلم على المسلم أن ينصح له .

وإن هذه النصيحة التي تعني الأمر الخالص، فالعسل إذا نصح أي صار خالصاً، وكذلك اللبن، فالنصيحة أن تصفي وتخلص من الشوائب ما تريد أن تقوله للمنصوح، إن النصح يلم شعث المسلم من قبل أخيه المسلم، إنها إرادة الخير للمنصوح، وإنه الباب العظيم الذي يجعل الإنسان يثق بأخيه المسلم حتى أن إبليس لما أراد أن يغوي أبانا آدم وأمنا حواء جاء بطريقة النصيحة .

وتأملوا كيف ضاع حديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بيننا عندما قال ” الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم ” رواه مسلم.
ولقد عبر النبى صلى الله عليه وسلم عن الدين بأنه النصيحة ، لعظم منزلة النصيحة في الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم ” الحج عرفة ” لعظم عرفة في الحج، والنصيحة لله هي الإيمان به وأسمائه وصفاته وطاعته سبحانه، وطاعته واجتناب معصيته .

والنصيحة لكتاب الله هو الإيمان أنه كلام الله، والعمل بما فيه، والنصيحة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم هو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، والنصيحة للأئمة المسلمين بمعاونتهم على الحق وعدم طاعتهم في الباطل وإرشادهم إلى الصواب، وأما النصيحة لعامة المسلمين فهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتأمل إذن عندما قال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ” الدين النصيحة ” من عظمها قال “الدين النصيحة ” وجعلها حقاً للمسلم، وقوله ” وإذا استنصحك فانصح له ” قال العلماء، هي للوجوب، وأما الكافر فهل له نصيحة؟ فالجواب: نعم، نصيحته بدعوته إلى الإسلام، ولو أنه استنصحك فلا بأس أن تنصح له بما ليس فيه ضرر على المسلمين.

ولكن لماذا كادت النصيحة أن تختفي فيما بيننا؟
وذلك لأن كثيراً من الناس قد انعكس وانقلب فهمهم للنصيحة، انعكس وانقلب وصار فهماً مغلوطاً عجيباً، إنهم صاروا يفهمون النصيحة أنها تدخل في الحريات الشخصية، والنصيحة صارت عند الكثيرين تدخل مذموم في الحريات الشخصية، ولذلك صارت لا تبذل؛ لأنها تفهم على أنها تدخل فيما لا يعني الإنسان ، وكذلك صارت النصيحة مخيفة عند الكثيرين؛ لأنها تورث كلاماً من قبل المنصوح .

ويقول الناصح أنا في غنىً عنه، ومن يريد أن ينصح يقول، أنا في غنىً عنى الأذى، أنا لا أريد أن أواجه بكلام لا يسرني، ولا أريد أن يقول لي من أنصحه، وما دخلك، ولماذا تتدخل في شأني ونحو ذلك، ضاعت النصيحة بسبب انقلاب المفهوم والخوف من الكلام الذي سيأتي من الطرف الآخر، ولما صارت القضية عندنا إرضاء الناس، ولو سخط الله عم كثير من الشر والفساد، صرنا نخاف أن نتدخل في شأن رجل على منكر، صرنا نخاف أن نوجه كلمة حق إلى إنسان في شر واقع فيه، لماذا أيها الإخوة؟ لماذا ضاعت هذه الفريضة العظيمة؟

وكذلك مما ضيع النصيحة أن بعض الناس يوجهونها بأسلوب خطأ، بأسلوب خاطئ، كأن يشهر بالمنصوح، أو أن ينصحه على الملأ ما إمكان النصيحة في السر، وهذا مما جعل القصد من الكلام يتغير عن الطريق الحق والطرف الآخر لا يتقبل؛ لأنه شهر به ونحو ذلك من الفضائح التي ينظر إليها بعين الاعتبار.

فأين تكامل المجتمع المسلم؟ أين حديث المؤمن مرآة أخيه؟أين الشعور بالمسؤولية في هذا الموضوع؟ ألم يأتك نبأ الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه لما قال: “بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم” متفق عليه.

وإن نصائحنا يجب أن تكون مبنية على العلم الشرعي، وعلى الدليل، فإن بعض الناس ينصح بجهل، بعض الناس ينكر بجهل، بعض الناس يقدم كلاماً غير صحيح، ليس من الدين ولا من الشريعة، من جهله أتي، فينكرون ما لا يعرفون، وينصحون بما لا يسمى نصيحةً أصلاً؛ لأن النصيحة من الخلوص، والنقاء، والصفاء، وهذا يقدم نصيحة بجهل، وكذلك يجب أن تكون بعيدة عن سوء الظن فإن كثيراً من الناس يسيء الظن بشخص، ثم يكلمه بنصيحة بناء على ذلك، وهذا الرجل بريء، وكذلك يجب أن تكون متكلفة بعيدة عن التفاصح، والتعاظم .

والمنصوح إذا قدم له الحق يجب عليه أن يقبله ولو كان الأسلوب خاطئاً، ولكن الناصح يجب عليه أن يتقيد بآداب الشريعة في النصيحة، فهذا يكون مؤدباً في نصحه، وهذا عليه أن يقبل الحق، ولا يركبنه الشيطان، أي المنصوح، فيقول: وبخني فلن أستجيب، فهذه من إبليس، ولا شك أنها طريقة من طرائقه.

ويجب أن يكون الناصح دافعه في النصيحة محبة الخير لأخيه المسلم ، وكراهة أن يصيبه الشر ، قال ابن رجب رحمه الله ” وأما النصيحة للمسلمين : فأن يحب لهم ما يحب لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم ، ويوقر كبيرهم ، ويحزن لحزنهم ، ويفرح لفرحهم ، وإن ضره ذلك في دنياه ، كرخص أسعارهم ، وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع في تجارته ، وكذلك جميع ما يضرهم عامة ، ويحب ما يصلحهم ، وألفتهم ، ودوام النعم عليهم ، ونصرهم على عدوهم ، ودفع كل أذى ومكروه عنهم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.