التاريخ كما يجب ان يكون

44

كتبت / سماح عزازي

عندما نسمع الاساطير القديمة المرتبطة بالقدماء المصرين نبحث عن الحقيقة ونغوص في اعماق التاريخ الضارب بجذوره في الازمان السحيقة لنري مدي ابداع المصري القديم

قرأءة التاريخ متعة لا يضاهيها متعة وخاصة في حياة المصري القديم لمعرفة ماتوصل اليه لبناء هذة الحضارة العملاقة والتي كتبت اسمة من حروف من ذهب علي صفحات التاريخ واعماله التي خلدت ليومنا هذا شاهده علي معجزة من معجزات وعجائب العالم القديم

ولنلقي نظرة من بين ستائر التاريخ علي علاقة المصري القديم بالسحر والسحرة

إشتهر المصريون القدماء بممارستهم لأعمال السحر و حبهم له و إعتقادهم فى أنه يدفع عنهم الأرواح الشريرة و يقى شر الأمراض و يقيهم منها كما أنه يدفع عنهم الحسد و يجلب لهم الحظ الوفير ، لذا فقد تداخل السحر فى العقيدة الدينية لكل المصريين و أصبح السحر جزءا من بعض ممارسات الشعائر الدينية فى المعابد إضافة إلى ممارسة البعض من عامة الشعب له ، و كان معظم السحرة من كهنة المعابد لذا كان أغلب من يمارسون أعمال السحر على دراية واسعة بأمور الدين و على إطلاع كبير بعلوم الطب و مختلف العلوم .

و هناك العديد من القصص و الأساطير التى وصلت إلينا عن بعض أعمال سحرهم منها بردية ” وستكار ” ، و تنسب البردية إلى صاحبها البريطانى هنرى وستكار الذى عثر عليها أثناء إحدى رحلاته إلى مصر عام 1823م ، ثم فى عام 1839م وصلت إلى عالم المصريات الألمانى ” كارل ريتشارد ” عن طريق إحدى قريبات وستكار فلم يستطع فك رموزها ، و فى عام 1890م إستطاع ” أدولف إيرمان ” أن يفك رموزها ، و تتكون من 12 لفافة ، و يؤرخ بأنها كتبت فى فترة الهكسوس و ترجع أحداثها إلى الأسرة الرابعة كما إرتبطت إرتباطا وثيقا بالأسرة السادسة ، و تعرض الآن فى المتحف المصرى ببرلين .

و تعد البردية هى إحدى نصوص الأدب المصري القديم ، و تحوي خمسة قصص تحكى عن أعاجيب و معجزات السحرة فى عهد الملك ” خوفو ” و تسمى ” الملك خوفو والسحرة ” أو ” حكاية مجلس بلاط الملك خوفو ” ، و هى أول عمل أدبى يحكى عن قدرات الإنسان الخارقة للسيطرة على الطبيعة و ما ورائها و التى يطلق عليها معجزات .

و تتلخص القصة فى انه يوما ما أصاب الضيق و الضجر قلب الملك ” خوفو ” فجمع أربعة من أبنائه و طلب منهم ان يقص كل واحد منهم قصة تسرى عنه همه و تخرجه من الضيق و تبعد عنه الضجر ، فقص كل واحد من الأبناء قصة و كانت جميعها عما يستطيع أن يقوم به السحرة من معجزات ، ثم أختتمت البردية بقصة التنبؤ بمولد ثلاثة ملوك لتكتمل القصص الخمسة بالبردية

قصص بردية وستكار الخمسة
الملك خوفو و السحرة

القصة الأولى :
و هى قصة حكاها ” جدف رع ” ، و معظم القصة غير مكتملة و غير واضحة المعالم ، و المتبقى منها بضعة سطور ، و تحكى عن المعجزات التى كان يقوم بها أحد الكهنة ( أمحوتب ) فى عهد الملك زوسر .

القصة الثانية :
و هى أيضا قصة غير مكتملة و غير واضحة المعالم ، و أحداثها فى عهد الملك ” نب كا ” ، و تحكى عن إكتشاف كبير الكهنة وجود علاقة بين زوجته و أحد الفلاحين ، فيصنع تمساحا من الشمع ، و يستطيع الكاهن أن يحول تمساح الشمع إلى تمساح حقيقى يطارد الفلاح و يلتهمه ، أما زوجة الكاهن فقد أمر الملك بإحراقها فى القصر .

القصة الثالثة :
و هى قصة حكاها ” باو إف رع ” ، و أحداثها فى عهد الملك ” سنفرو ” ، و تحكى عن شعور الملك ” سنفرو ” بالضيق و الملل ، فنصحه كبير الكهنة بالخروج فى نزهة نيلية على مركب مصطحبا 20 فتاة جميلة ، و أعجب الملك بالفكرة و خرج فى نزهة على مركب إلى بحيرة نيلية ، و أثناء الرحلة تسقط حلية ثمينة من إحدى الفتيات فى البحيرة فحزنت الفتاة لفقدها حزنا شديدا و حزن الجميع كما حزن الملك الذى طلب من الكاهن أن يعمل ما فى وسعه لإستعادة حلية الفتاة ليفرج عنها همها و حزنها ، قام الكاهن بقراءة بعض التعاويذ ثم أمر الماء فإنشق نصفين و إنطوى أحد النصفين على الآخر كأنه طوى كتابا ، فظهر قاع البحيرة و وجدت الحلية و تم إستعادة الحلية ففرحت الفتاة و إبتهج الملك ، ثم قرأ الكاهن تعاويذه مرة أخرى فعادت المياه كما كانت .

القصة الرابعة :
و هى قصة حكاها ” حر ددف ” ، و أحداثها فى عهد الملك ” خوفو ” ، و تحكى عن ساحر عظيم إسمه ” جدى ” و لم يذكر وظيفته مما يعنى أنه كان ساحرا من عامة الشعب ، كان ” ديدى ” بإستطاعته أن يعيد رأس أى إنسان أو حيوان إلى مكانها بعد قطعها ثم يبعث فيها روح الحياة من جديد ، و يروض الأسود ، و عنده علم بمعبد تحوت ، فيأمر الملك ” خوفو ” إبنه أن يأتى له بهذا الكاهن ليرى معجزاته ، فيحضر إليه و يقطع رأس ثور ثم يعيدها إلى مكانها ثانية فطلب منه الملك ” خوفو ” بإعادتها على رأس إنسان فرفض الكاهن ، فيقوم الملك ” خوفو ” بسؤال الكاهن عن معبد تحوت فيجيبه الكاهن بأنه لا يعرف عدد غرفه السرية لكنه يعرف مكانه ، و يصر الملك ” خوفو ” على معرفة مكان معبد تحوت من الكاهن ، فيرفض الكاهن الإجابة رفضا شديدا و ليس فى إستطاعته الإجابة على سؤاله ، و لكن سيولد ملوك ثلاثة ( أوسر كاف ، ساحورع ، نفر إر كارع ) من زوجة كاهن و الإله رع ، و من يولد أولهم سيعرف مكان معبد تحوت .

القصة الخامسة :
و هى أستكمال للقصة الرابعة , و هى النبؤة التى حكاها أحد أبناء خوفو له عن ميلاد ثلاثة ملوك ( أوسر كاف ، ساحو رع ، نفر أيركا رع ) سيكونون هم أول ملوك الأسرة الخامسه ، تحكى القصة أن رع أمر كل من ( أيزيس و نفتيس و مسخينيت و حيكيت و خنوم ) أن يساعدوا زوجة كاهن رع ” رد دجيديت ” التى أوشكت أن تلد فتنكرت الآلهة فى صورة كهنة ثم ذهبوا اليها ليساعدوها فى ولادتها ، فلما ولدت و هموا بمغادرة بيتها تركوا لها جوالا من الحبوب بداخله ثلاثة تيجان .

بعد فترة أرادت ” رد دجيديت ” أن تقيم وليمة فاضطرت الى استخدام جوال الحبوب الذى تركوه لها فإكتشفت التيجان الثلاثه ، و رأت أحدى خادماتها التيجان الثلاثة و أخبرت الخادمة عمها بنيتها الذهاب إلى الملك خوفو لتحكى له عن إكتشاف التيجان الثلاثة فضربها عمها و منعها من ذلك ، و فى أثناء سيرالخادمة بالقرب من النهر خرج تمساح و افترسها ، فذهب عم الخادمة الى سيدتها و أخبرها بشكه أن الخادمة قد تكون أخبرت الملك خوفو عن التيجان الثلاثه قبل أن يفترسها التمساح .

و تقف القصة فى البردية عن هذا الحد لتمزقها عند هذا الموضع ، ولا يعرف تكملتها ، فهل علم الملك خوفو أم لم يعلم ؟

يشكك المؤرخون فى صحة ما ورد بهذه البردية و ليس فى البردية ذاتها ، و أنها مجمعة بصورة عشوائية بغرض الترفيه أو التسلية ، و يشيرون إلى مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم المطلق بما ورد فى تلك البردية و مما شككوا فيه هو

أن البردية كتبت فى عصر الدولة الوسطى و ليست الدولة القديمة و أنها ربما نقلت من نسخة أقدم منها زمنا و ربما يكون النقل غير صحيح .

من المفترض أن البردية تحكى قصص حكام سابقين لعصر الملك خوفو حسب طلبه من أبنائه ، و لكن القصص تحكى عن شخصيات غير ملكية ، فكبير الكهنة فى عصر الملك ” نب كا ” ( الأسرة الثالثة ) و زوجته كانا من عامة الشعب ، كما أمحوتب فى عصر الملك ” زوسر ” .

لم يكتشف حتى تاريخه أية آثار فى الأسرتين الرابعة و الخامسة تحمل إسم الملكة ” رود جدت ” و هى ليست من أصول ملكية ولا زوجها الكاهن ” أوسر رع ” مما يتناقض مع قوواعد وراثة العرش و يتناقض مع منصب كبير الكهنة الذى كان لأبناء الملك حتى نهاية الأسرة الرابعة ، و لا يمكن أن تكون هى الملكة ” خنت كاوس ” ، فالملكة ” خنت كاوس ” كانت بنت ملك و زوجة ملك و أم لملكين حكما مصر بينما ( رود جدت ) لم تنحدر من أصل ملكى مثلما تشير البردية .

أكدت إكتشافات حديثة أن ملوك الأسرة الخامسة ينتسبون إلى ملوك الأسرة الرابعة ، و أن ألملك ( شبسس كاف ) ( آخر ملوك الأسرة الرابعة ) هو أخو الملك ( اوسركاف ) أول ملوك الأسرة الخامسة و هو ما يناقض القصة التى وردت فى البردية .

لم تظهر أسماء السحرة فى البردية فى الدولة القديمة إنما ظهرت فى الدولة الوسطى و الحديثة و لم يثبت وجودهم فى آثار الدولة القديمة حتى تاريخه .

فكرة البردية فى أن إله الشمس هو من يختار ملك البلاد و هو فى بطن أمه بغض النظر عن أصوله الملكية لم تكن فى الدولة القديمة هذه الأفكار بل كانت فى عصر الدولة الوسطى و كان الحكم فى الأسرة الرابعة حكما وراثيا .

يبدوا الملك خوفو فى هذه البردية طاعنا فى السن و لم يكن قد شيد هرمه بعد ، و هذا يتناقض مع الحقيقة التاريخية بأنه قد بدأ فى تشييد هرمه بعد عام من توليه العرش و الذى إستغرق سنوات عديدة حتى إنتهى من تشييده .

أخبر الساحر ” جدي ” الملك خوفو عن أن إبنه و حفيده سيحكمان البلاد ثم سيأتي أول ملوك الأسرة الخامسة و يتولى عرش البلاد ، و هذا لم يصح تاريخيا فمن بعد خوفو تولى حكم البلاد أربع ملوك و ليس ملكان فقط كما أن الملكين الذين وردا فى البردية كانا أخوين و ليسا أب و ولده كما فى البردية .

لم يعثر على تخطيط لمعبد حوتى يتشابه مع التخطيط المعمارى لهرم الملك خوفو .

ملوك الأسرة الثانية عشرة هم من جعلوا ” رع ” إله الشمس هو من يختار الملوك ، و بهذه الأسطورة ربطوا فيما بينهم و بين ملوك الأسرة الخامسة أول من أقاموا معابد للشمس .

يظهر فى البردية ملوك الأسرة الخامسة بأنهم أبناء الإله ” رع ” و أنهم أوصياؤه على الأرض و الذين يحكمون بأمره و ينفذون مشيئته و هذه الصورة لم تكن موجودة فى الأسرة الرابعة التى كان فيها الملك ظلا للإله على الأرض و إبنا له لكنه لم يكن وصيا و مكلفا من الإله مباشرة .

و تظهر فى هذه البردية قدرت الكهان الخارقة التى تفوق قدرات ملك البلاد نفسه ، و جعلت من هذا الكاهن شخصية من عامة الشعب مما يدلل على خلفية شعبية خلقت هذه الصورة لعامة الشعب .

وجود تباين فى النظرة لملك البلاد الذى يعانى من الضجر و الملل فى النظرة الشعبية للبردية بينما نظرة الدولة الرسمية التى تدلل عليها الرسومات و النقوش على جدران المعابد كما يدلل عليها الهرم الأكبر أعظم عمل إنسانى عبر التاريخ و الذى يدلل على عظمة هذا الملك .

كما تظهر البردية دموية الملك خوفو و عدم إحترامه لقيمة الإنسان بعرضه على الكاهن تجربة قطع رأس إنسان و رفض الكاهن لعرض الملك مما يدلل على النظرة الشعبية تجاه الملك .

تؤكد البردية الفكرة التى يعتقدها كل ملك فرعونى و هى التفوق فى المعجزات على من سبقه من ملوك .

و أخيرا يتضح أن قصة الملك ” خوفو ” و الكاهن ” جدى ” فى البردية لم تكن قصة تاريخية بل هى نتاج مفاهيم و أفكار تنتمي لفترة زمنية متأخرة و تتناسب مع تلك الفترة ( الدولة الوسطى ) أعيد نشر هذه المفاهيم في نهاية عصر الإضمحلال الثانى و هى الأسرة السابعة عشرة ، و صيغت فى قالب شعبى حاذ موافقة الكهنة فى هذا العصر

حسب بردية ” وستكار ” السابق عرضها و حسب القصة الخامسة و الأخيرة فيها ، فقد إرتبطت بها هذه الأحداث

تزايد دور كهنة ” رع ” فى نهاية الأسرة الرابعة ، و تصدى لهم الملك ” شبسس كاف ” لتحجيم دورهم و تقليص سلطتهم على البلاد ، و كان الملك ” شبسكاف ” قد هجر منطقة الهرم و إتخذ منطقة سقارة مكانا لبناء قبره ، الذى غير تصميمه من الشكل الهرمى إلى شكل المصطبة أو التابوت مخالفا مفهوم ديانة ” رع ” معتبرا ذلك منعا للبذخ و توفيرا للنفقات كى يعود التوفير بالنفع على عامة الشعب ، فإتهمه الكهنة بمحاولة إفساد الدين و إتهمهم الملك ” شبسكاف ” بالسعى إلى السلطة لا حرصا على الدين ، و أصبح صراعا بين السلطة الدنيوية المتمثلة فى الملك ” شبسكاف ” و السلطة الدينية المتمثلة فى كهنة ” رع ” ، و كان الكهنة قد إستمالوا عامة الشعب إليهم ضد الملك ” شبسكاف ” فأصبح الصراع غير متكافئ بين الكفتين ، و صور الكهنة الملك و وزيره ” كاوعب ” و حاشيته بأنهم ضد رغبة الشعب الدينية ، و فى البداية وقفت ” خنتكاوس ” زوجة الملك معه فى صراعه ضد الكهنة و ألقت باللوم على أجدادها الذين قووا من نفوذ الكهنة .

و كانت هناك علاقة عاطفية ربطت بين ” ساحورع ” ( مساعد كبير الكهنة ” أوسركاف ” ) و ” إتت ” ( وصيفة ” خنتكاوس” زوجة الملك ) و بارك ” أوسر كاف ” كبير كهنة ” رع ” هذه العلاقة كما بارك تجسسها على قصر الملك لأنها كانت تنقل إليه أخبار القصر و تطلعه على كل ما يدور بقصر الملك .

و لما مات الملك ” شبسكاف ” الذى حاول تقليص دور الكهنة أثناء فترة حكمه لكنه لم يضع حدا لنفوذهم ، اسرع الكهنة للإستيلاء على العرش ، و لم يكن للملك ” شبسسكاف ” وريث للعرش يستطيع مجابهة نفوذ هؤلاء الكهنة فقد كان وريثه لا يزال طفلا ، و كانت البلاد تمر بحالة فوضى و إضطراب و قلاقل شديدة ، لوقوف ” كاوعب ” وزير الملك الميت ” شبسكاف ” ضد رغبة الكهنة فى تولى مقاليد الحكم فى البلاد ، و كان الكهنة قد إستمالوا عامة الشعب إليهم و عبأوهم ضد الصفوة الحاكمة متمثلة فى وزير الملك الميت ، و لم يكن أما الكهنة سوا خيارين ( الحوار أو الدم ) .

و كانت ” إتت ” تتود إلى ” خنتكاوس ” ( زوجة الملك الميت ) و تبدى لها الإخلاص و تحذرها من تنامى دور الكهنة و تزايد قوتهم و صعوبة ردعهم و أنه نتيجة لزهدهم فإن عامة الشعب يقفون معهم و فى صفهم ضد الوزير و الصفوة المنتفعين بخيرات البلاد ، و بأن وقوف ” خنتكاوس ” مع الصفوة سيزيد من كراهية الشعب لها ، و كان هذا خطة رسمها الكاهن الأكبر لها لتؤديها كما رسمها ليضمن إستمالة و بالتالى تأييد ” خنتكاوس للكهنة و عامة الشعب ضد الوزير و الصفوة ، و بالفعل أبدت ” خنتكاوس ” موافقتها لها .

و أكملت ” إتت ” خطة ” أوسر كاف ” كبير الكهنة بأن أبدت إلى الوزير ” كاوعب ” شكوكها فى تصرف ” خنتكاوس ” و رغبتها بالسيطرة على الكهنة بالزواج من ” أوسر كاف ” كبير الكهنة ، و يشتاط الوزير ” كاوعب ” غضبا ، و تحدث بينه و بين كبير الكهنة مناظرة علنية أمام حشد من عامة الشعب ، كان فيها الوزير ” كاوعب ” ممثلا لسلطة الدولة و كبير الكهنة ” أوسر كاف ” ممثلا لسلطة الكهنة ، بينما كان الحاضرون من عامة الشعب يتمنون فوز كبير الكهنة و إنتصار دين الكهنة الشائع شعبيا على دين الدولة الرسمى ، و كان الجميع ينتظر لمن ستكون الملكة ” خنتكاوس ” للوزير أم لكبير الكهنة .

و بدأت المناظرة بين الطرفين ، و نظراً لعدم شرعية مطالب ” أوسركاف ” فقد لفّق قصة دينية من نسج خياله و أرجعها للملك ” خوفو ” لإثبات شرعية طلبه بحكم البلاد و أنها أمر إلهى ، ثم حكى ” أوسركاف ” مضمون الأسطورة بأن ” جدف رع ” إبن الملك ” خوفو ” و ثالث ملوك الأسرة الرابعة قد حضر عند الملك ” خوفو ” و بين يديه ساحرا يدعى ” ديدى ” يقوم بأعمال سحر عظيمة ثم تنبأ للملك ” خوفو ” بأن زوجة كبير كهنة هليبولس ستنجب ثلاثة أطفال من الإله ” رع ” ثم تسميهم الآلهة بأسماء ( أوسركاف ، و ساحو رع ، و نفر إر كا رع ) و أنهم سيكونون ملوك هذه البلاد و أنهم سيقومون بعمل المعجزات فى هذه البلاد ، هكذا أراد كبير الكهنة ” أوسركاف ” أن يضفى الشرعية الدينية و الدنيوية على نفسه و على من سيحكمون بعده ، و نزع صفة الشرعية عن وريث الملك المتوفى ” شبسسكاف ” ، فيكذبه الوزير ” كاوعب ” و يعتبر كلامه تلفيقا و كذبا للإستيلاء على عرش البلاد ، فيتهمه كبير الكهنة ” أوسركاف ” بالكفر ، فيرد عليه الوزير بأن هذه هى مفاهيم الدين الجديد و هى التكفير لا الحوار و النقاش مع من يخالفونهم فى الرأى ، و أن الدين الجديد لا يريد سوا خاضعين مستسلمين لتعاليمه لا يعلمون الفكر ولا العقل ، و تتدخل الملكة ” خنتكاوس ” و تقف فى صف الوزير و تصف تلك التعاليم بالمستبدة فمن حق الرعية محاسبة الملك فليس الملك بإله .

فأحرج كبير الكهنة ، لكنه فى خبث و دهاء أبدى موافقته على الكلام و أبدى رغبته فى التفاهم و المصالحة و التقارب بين السلطة الدنيوية و السلطة الدينية ، و يظهر التودد للوزير و يقوم ليحتضنه ، ثم يغرس خنجره فى صدر الوزير أمام جميع الحاضرين فيقتله معلنا أن تلك مشيئة مقدسة و إرادة ربانية لا يحول دونها شئ ، فتقوم الملكة ” جنتكاوس ” بإشهاد الحاضرين على إعتبارهم الحضور الممثلين لعامة الشعب على تلك الجريمة النكراء التى قام بها كبير الكهنة ، فيكشف لها كبير الكهنة عن مفاجأة صارخة بأنهم ليسوا ممثلين عن عامة الشعب بل خدام و حرس معابد الإله ” رع ” و الذين يقفون فى صف كبير الكهنة ولا يقبلون بغيره ملكا على البلاد ، و أنهم لا يرضون بغير دين ” رع ” دينا رسميا للبلاد .

و تصبح ديانة ” رع ” هى الدين الرسمى و الشعبى للبلاد ، و يعتلى ” أوسركاف ” كبير الكهنة عرش السلطة فى البلاد ، ثم يعلن زواجه من الملكة ” خنتكاوس ” و يضيع حق وريث الملك المتوفى فى عرش البلاد ، و ليصبح كبير الكهنة ” أوسر كاف ” ملكا يحكم فى الدنيا بإسم الدين مستمدا شرعيته من الإله فأذعن له الجميع خاضعين

و فى هذه القصة نجد ظلال الصراع الدائم و الدائر بلا توقف بين قوتين ، قوة رجال الحكم و السياسة و قوة رجال الدين ، و نجد ظلال إستغلال الدين للوصول لمآرب دنيوية متخفية تحت مفاهيم دينية ، و نجد ظلا مستمرا لم ينقطع يعلن بالدم لا بالحوار الهادئ ينتهى دوما النقاش و يلوذ بحرمة الدماء من يتستر خلف ستار من حرمة الدين مستغلا الدين فى أبشع صوره و محققا غاية دنيوية يكون قد وصل إليها ممتطيا الكثير من العقول التى غيبها و غسل ما فيها و جعل أفئدتها هواءا لتطيعه طاعة عمياء .

و ما بين الماضى بعصوره السحيقة و الحاضر بدقات عقارب ساعته ، فلا فرق فى استغلال الدين أسوأ إستغلال رغم إختلاف الزمن و الدين معا ، كما لم تختفى صورة الفسدة المستأثرين بخيرات البلاد راكبين على رقاب العباد لا يردعهم دين ولا تسد بطونهم أموال العالم فحالوا بين الناس و بين الحق و العدل و نشروا عليهم مفاسدهم و مظالمهم تحت قوة الحكم و سيادة السلطة .

#جريده مصر الدوليه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.